Monday, July 6, 2020

أنا في الثلاثين

آآآه ... تنهيدة عميقة أطلقتها من خلف لثامي الطبي الذي كان لزاماً علي ارتداءه للوقاية من فايروس كورونا وأنا أسير وحيداً في ممشى الضباب بمدينة أبها، تائهاً، هائماً، كثير التفكير ولا أعلم إلى أين المسير.

كل هذا بسبب قربي لبلوغ الثلاثين من العمر وأنا أفكر في تلك الأيام التي مضت وانقضت من حياتي وإلى تلك الذكريات العديدة التي صنعتها من مغامراتي الكثيرة والسفر إلى شرق الكرة الأرضية وإلى غربها والالتقاء بأصدقائي على أراضيهم التي ولدوا فيها.

وكل قصة أو تجربة مررت بها كان لزاماً علي أن أتعلم منها ألف درس ودرس.

وقد تذكرت خلال هذا المشي ... طفولتي القاسية من الناحية العاطفية وليست المادية وذلك في مسقط رأسي مكة المكرمة ثم ما تلا ذلك من تنقلات ما بين أمريكا وجدة حتى انتهى بي الأمر إلى أن وضعت أقدامي هنا في مدينة الضباب "أبها". ثم تطور الحال بعد ذلك بسبب التقائي بصديق رائع جداً وهو الأخ محمد العداوي من منطقة جازان الفل والكادي. والذي دفع بي الحال إلى زيادة رقعة التنقلات في حياتي وأصبحت منطقة جازان هي الوجهة المفضلة إلى قلبي بعد جميع المدن السابق ذكرها بالأعلى.

ولا أعلم هل سوف أمضي العشر سنوات القادمة من حياتي في هذه المنطقة الجديدة إلى أن أصل الأربعين أم لا، الله هو العالم بكل شيء.

والمغزى من ذكر هذه الوجهة الجديدة في حياتي هو وجود البحر فيها.

ذلك البحر الذي ارتبطت به منذ طفولتي وكنت أزوره باستمرار في مدينة جدة حتى انتقلت إلى مدينة أبها ثم أصبحت محروماً من رؤيته والاستمتاع بجمال ورونق منظره الساحر.

لكن حين أزور منطقة جازان الرائعة للغاية وأقف على شاطئها الخلاب وأستمتع بتلك الأمواج المتلاطمة بين بعضها البعض، فإن رهبة الثلاثين من العمر تزول من مشاعري وتتجدد تلك المشاعر بالحيوية والفرح. وأشعر بداخلي وكأنني لم أكبر يوماً من الأيام.

إنه حقاً شعور مخيف إذا نظرت إلى هذا الرقم بعين الشيخوخة. لكن إذا نظرت إليه بعين الشباب وأنك لازلت في مقتبل العمر فإنك ستشعر بحبك للحياة والانطلاق نحوها بكل فرح وسعادة.

نعم أنا في الثلاثين من العمر ولكن سأظل دائماً ذلك الشاب القوي والمفعم بروح الحياة والحيوية وسيظل هذا البحر الجميل في منطقة جازان هو متنفسي الأجمل للهروب من شيخوخة الحياة.

 

 

 

ملحوظة: - تمت كتابة هذه المدونة قبل موعد عيد ميلادي بأيام. ولكن تمت تدوينها بتاريخ هذه المدونة أعلاه

 

 

محبكم

#أحمد_حسين_فلمبان

كاتب & محاسب

#إبتسامة_قلم

Tuesday, June 16, 2020

المتطفل

إنه لمن المرهق للغاية أن تتسلل إلى روحك تلك المشاعر البغيضة والسيئة للغاية، والتي تتمركز حول الشعور بالتطفل حين ترغب في الحديث أو بدء حوارٍ ما مع أحدهم.

نعم، إن حديثي اليوم هو عن تلك المشاعر والأحاسيس التي تنتاب الإنسان الخائف والمتردد حين يريد أن يبدأ أي نوع من أنواع التواصل مع صديقه أو قريبه أو أي شخصٍ ما.

وأكثر ما يزعج في هذه المشاعر والأحاسيس هي تلك الأصوات الوهمية التي تسبب الشلل الكامل للعقل في أن يفكر بشكل سليم لأجل الخروج من هذه الورطة العميقة.

ومن هذه الأسئلة التي تراود الإنسان هي: - يا ترى هل أرفع السماعة لكي أسمع صوته وأتحدث معه أم أنه سوف يغلق الهاتف في وجهي لأنه وبصريح العبارة قد زهق مني ومن تواصلي المستمر معه؟

أيضاً تأتيك هذه التساؤلات حين تدخل إلى إحدى المقاهي لإرتشاف كأسٍ من القهوة اللذيذة ثم تشاهد جمعاً من أصدقائك وهم مجتمعين معاً في إحدى الطاولات ثم تريد التقدم لأجل السلام عليهم والاطمئنان عليهم، وفجأة يأتيك ذلك الصوت الذي لا تعلم مصدره ليقول لك بكل بساطة: - احذر من الاقتراب لأنك شخصٌ متطفل ولا يرغبون في وجودك بينهم.

وإن ابتسموا أمامك أو ضحكوا أو حتى قاموا بالترحيب بك بكل حرارة وأخوة ومحبة، إلا أن العقل لايزال مصراً على أن كل هذه الأفعال ما هي إلا مجاملة فجة منهم لكي تكون شخصاً خفيفاً ثم تغادر هذا الاجتماع مبكراً.

وهناك أمثلة عديدة على مثل هذا الشعور المزعج الذي يسمى التطفل أو التواجد بشكل ثقيل بين أناس لا يرغبون بتاتاً في تواجدك بينهم.

وإنني أتساءل هنا حول ذلك السر الجوهري في جعل الشخص محبوباً بين الآخرين وذا قبول كبير وبين شخص آخر يظل منبوذاً طوال حياته ويتحسر على وجوده في هذه الحياة. وكيف له أن يصبح شخصاً محبوباً ولطيفاً ويتقبله الجميع من دون أي مجاملة أو تكلف أو حتى تصنع تلك الابتسامة السخيفة.

إن الشخص الذي تنتابه هذه المشاعر يظل دائماً في تساؤل مستمر حول الطريقة المناسبة لتجنب هذه المشاعر والتقدم في هذه الحياة بشكل واثق وثابت الأقدام، أو الاستسلام لهذه المشاعر وإن كانت وهمية وغير حقيقية إلا أنها تظل في حقيقة الأمر ... مشاعر مؤذية للغاية ولا يرغب أي شخص في أن يعيشها.

ومن المشاهد الحقيقية التي أرويها لكم كشخص كاتب لهذه المدونة، فقد كنت في مرحلة المتوسطة أحاول جاهداً بناء علاقات صداقة مع المحيط من حولي داخل المدرسة. إلا أنني في كل مرة أواجه نفس الموقف ونفس المخاوف. وللأسف فلم أستطع تجاوزها أو حتى النجاح في كسرها والتغلب عليها.

والمصيبة الأعظم أنها كبرت معي رويداً رويدا حتى بلغت من العمر ما بلغت ولا زلت أعاني من نفس الرهبة ومن نفس تلك الأصوات.

ولكي أخفف من صدمة الأمر فإنني أكون واضحاً وصريحاً مع الطرف الآخر بخصوص هذه المشاعر. وأن أشرح له بكل وضوح ما أشعر به أثناء تواجدي معه بنفس اللحظة. وعليه إما أن يخفف عني هذه المشاعر أو أن يتهمني بالجنون ثم يرحل مغادرا.

وأحمد الله تعالى أن معظمهم كانوا يقدرون هذا الشيء ويقفون بجانبي محاولين تخفيف هذه الرهبة وكذلك محاولة التخلص من هذه المشاعر المزعجة. وأنهم بالأخير هم أشخاص جيدين ومسالمين ولا يحملون بداخلهم أي مشاعر من مشاعر الكراهية أو لنقل مشاعر الوجه الآخر.

 

 

محبكم

#أحمد_حسين_فلمبان

كاتب & محاسب

#إبتسامة_قلم

Sunday, June 7, 2020

علبة الصابون السائل

ذات مساء وبعد أن فرغت من تناول طعام العشاء، اتجهت إلى المغسلة كي أغسل يدي. لكن حين هممت استخدام علبة الصابون السائل حتى أضع القليل من هذا الصابون على يدي، توقفت لبرهة وجلست أتأمل هذه العلبة كثيراً حتى خرجت بهذا النص.

إن المغزى من استخدام علبة الصابون السائل في التعبير عما أريد الحديث عنه اليوم هو وجه المقارنة ما بين البداية والنهاية في كل شيء من حولنا بما فيها هذا الصابون السائل.

وكيف هي فرحة البداية حين تنتهي من ملء هذه العلبة بالصابون السائل وكيف نحزن حين تنتهي هذه العلبة وتصبح فارغة بعد أن تم استخدامها.

كذلك الأشياء من حولنا، نفرح في بداياتها وأول أيام استخدامها ثم نتحول تدريجياً إلى حالة حزن بسبب قرب الانتهاء من هذا الشيء حتى يصبح فارغاً تماماً على أمل أن يعاد التعبئة من جديد.

وأكاد أقيس الشيء ذاته مع علاقاتنا وصداقاتنا والأمور المرتبطة بمشاعرنا وأحاسيسنا، ما بين حالة فرح شديدة عند بداية الاستخدام وتعبئة الذات بمشاعر الفرح والبهجة. ثم التحول التدريجي رويداً رويداً مع مرور الأيام حتى تصبح هذه العلاقات فاترة وباردة من أي مشاعر أو أحاسيس إلى أن تصل إلى مرحلة الفراغ التام.

وخلال هذه اللحظات التي كنت أتأمل فيها علبة الصابون السائل، كانت الذاكرة تعود بي إلى الماضي قليلاً قليلا لكي تسترجع مواقف حقيقية وعلاقات واقعية كان التسلسل فيها مشابه تماماً لما وصفته بالأعلى حول هذه العلبة وعلاقتها بالصابون السائل.

وقد تأكدت تماماً من هذه المشاعر وأنها مشاعر حقيقية تبدأ معي في بدايتها برسم ملامح براقة وصور جميلة حول كيف ستكون هذه العلاقة الجديدة أو لنقل الصداقة الجديدة. ثم أترك الباقي للأيام حتى تضع كلمتها المفصلية بالاستمرار أو التوقف. وقد كان الجواب في بعض الأحيان هو مبادرة الطرف الآخر بملء هذه العلاقة بمشاعر جديدة ومتجددة وفي بعض الأحيان كان الطرف الآخر لا يرغب في الاستمرار أو إضافة أي شيء جديد يدعو ويدفع هذه العلاقة للاستمرار.

ولو بحثت بنفسك عن أشياء مشابهة ستجد هناك أمثلة عديدة وواقعية في حياتنا مثل المولود الجديد حين يأتي في حياتنا ثم يكبر حتى يصبح شاباً مفتول العضلات ومن بعدها إما أن يعيد تعبئة مشاعر الفرحة والبهجة إلى والديه أو أن تنقطع العلاقة بينهما ويصبح كل طرف في طريق بمفرده

وأيضاً هناك علاقة الزواج التي تبدأ بملء الحياة بمشاعر الفرح في ليلة الزفاف ومن بعدها يكون الأمر معتمداً على كلا الطرفين لكي يحددوا مصير التعبئة من جديد أو الانتهاء والفراغ من كل شيء على أن يصبح الطلاق هو المصير المحتوم لهذه العلاقة.

لقد تعلمت من تأملي لهذه العلبة دورة مهمة في حياتنا نكاد لا نشعر بها يومياً إما بسبب التعود عليها وهذا نوعٌ من أنواع التعود على النعم -والعياذ بالله- أو بسبب عدم اللامبالاة والاكتراث لما يدور من حولنا.

في الختام دعوني أخبركم عن الذي حدث بعد استخدامي لهذا الصابون السائل. لقد غسلت يدي وذاب هذا الصابون في يدي ثم اختفى.

كذلك ما يحدث في حياتنا إن لم نهتم به أو أن نراعي مشاعره فإنه سيختفي مع الزمن حتى وإن لم نشجع الطرف الآخر على الاستمرار في هذه العلاقة. لأن للزمن دائماً كلمته النهائية في كل شيء

 

 

محبكم

#أحمد_حسين_فلمبان

كاتب & محاسب

#إبتسامة_قلم

Friday, May 8, 2020

زحمة الحياة

لقد كنت مستلقياً على ذلك الكرسي المريح ثم نهضت فجأة وبلا مقدمات واتجهت إلى المطبخ وذلك لكي أحضر لنفسي شيئاً لم يعتد البشر على سماعه خصوصاً لمن يبلغون الخامسة والثلاثين من عمرهم أو أعلى من ذلك، حيث أنني حضرت لنفسي رضاعة للأطفال وبها حليب منعش!!!
يا ترى لماذا قمت بهذا الفعل وأنا كبير في السن؟
لربما السبب الوحيد لذلك هو أنني قد ضعت كثيراً في زحمة هذه الحياة ولم أكن أنتبه لتفاصيل حياتي وهي تكبر يوماً بعد يوم.
وللأسف فقد سلبتني زحمة هذه الحياة من أجمل المراحل التي من المفترض على روحي بأن تعيشها وهي مرحلة المراهقة ثم مرحلة الشباب ثم المرحلة الآنية من حياتي.
واليوم أريد أن أعود بنفسي من خلال هذه الرضاعة الصغيرة إلى ذلك الزمن في الماضي حين لم تكن الحياة مزدحمة ولم يكن هناك ما يشوش ضميري أو يشوش عقلي أو حتى أن يشوش حياتي.
حين كنت في تلك الفترة صافي الذهن ومليئاً بالطاقة الإيجابية والمشاعر السعيدة وكل عناصر البهجة والفرح التي كان يعيشها أي طفل صغير لا يزال يشرب حليبه عبر رضاعة صغيرة.

نعم، إن زحمة الحياة مخيفة للغاية لأنها تركض بنا إلى مجهول غامض ومن هدف إلى هدف آخر ومن ذكرى إلى ذكرى أخرى ومن تجربة إلى تجربة أخرى سواء كانت تجربة ناجحة أم تجربة فاشلة.
وكل هذا يمر أمام أعيننا بلمح البصر ولا ندرك بأهمية تلك الدقائق والثواني الذهبية التي تطير من حياتنا، ثانية تلو الثانية ودقيقة تلو الدقيقة ونحن نركض ونركض ونركض في زحمة هذه الحياة لعلنا نصل إلى ما يرضي ذواتنا ويرضي طموحنا ويشبع شغفنا ويجعلنا نشعر بالفخر لما وصلنا إليه.

للأسف ... فإنني أقولها اليوم وبكل ما لكلمة أسف من معنى وعمق في المشاعر بأنني لم أدرك تلك الأيام التي مضت ورحلت من حياتي، ولم أكن أفهم معنى أن تذهب ساعة من حياتي ولم أكن أدرك ما معنى أن تغيب شمس هذا اليوم منتظراً ظهورها مرة أخرى في اليوم الذي يليه.
ولهذا فقد كنت أركض إلى المطبخ من أجل تحضير هذه الرضاعة حتى أخبر نفسي بأن عليها أن تتمهل رويداً رويدا وأن تدرك بأن كل ثانية وكل لحظة من عمرنا إن ذهبت فلن تعود.
وعليها أن تدرك بشكل عميق ما معنى كلمة [ زحمة الحياة ].
هذه الزحمة التي تتنوع بين زحمة المهام والمسؤوليات، وزحمة الواجبات المفروضة علينا، وزحمة تواصلنا واتصالنا مع الآخرين من حولنا.
وهي الزحمة التي تجعلنا نفقد اللذة في استشعار معنى أي لحظة سعيدة أو حزينة تمر من أمامنا ونشعر حينها بأن عجلة الزمن قد توقفت لفترة قصيرة ثم بعد ذلك تواصل هذه العجلة مسيرها من جديد ولا تأبه لما يحدث معك حينها من حدوث أي متغيرات على روحك وعلى نفسيتك من الداخل.  
يا للهول!!!
يبدو أنني قد كتبت الكثير والكثير أثناء تحضيري لهذه الرضاعة الرائعة، لكن هل هذا يعني بأنني سأتوقف عن الركض في هذه الحياة؟
بالتأكيد ... لا
لأننا إذا توقفنا فسوف تتوقف عجلة دوران الكرة الأرضية بكبرها وهنا ستحدث أشياء لا نريد ولا نتمنى أبداً بأن تحدث في حياتنا.
ولهذا فإن أفضل سبيل وأفضل حل هو أن تدع الطبيعة تأخذ مجراها الطبيعي من حيث التقدم في العمر وأن الأيام ماضية سواء أردت ذلك أم لم ترد، لكن علينا في الجانب الآخر أن نوازن جميع الخطوات وجميع التحركات حتى لا نشعر بالأسف في آخر الأيام من حياتنا بأننا فعلاً قد ضعنا في زحمة هذه الحياة


محبكم
#أحمد_حسين_فلمبان
كاتب & محاسب

#إبتسامة_قلم  

Friday, April 17, 2020

قمر أسود

"يا أبتاه، أبتاه الطيب أقدم لك ذاتي، وأضع نفسي بين يديك. يا ملاك الله، أنت حارسي؛ أنرني، احمني، أسندني وقدني، أنا الذي أوكلت إليك من الرحمة الإلهية. أرجوك يا أبتاه خلصني من شرور أخي الأصغر وطغيانه وجبروته. أخرجني من بين براثن قوته وسطوته علي"
              بهذه الكلمات والأدعية كان جوزيف جاثياً على ركبتيه ورافعاً يديه باتجاه النافذة، نحو القمر الأسود الذي كان يملأ سماء ذلك اليوم المظلم وذلك في مدينته "أوريغون" بولاية واشنطن في أقصى الشمال الغربي من الولايات المتحدة الأمريكية. وجل ما كان يرجوه من هذا القمر هو أن يوصل رسالته إلى الرب حتى ينقذه من جبروت أخيه وشقيقه الأصغر "مايكل" والذي كان يصغره بعشر سنوات تقريباً.
              لقد كان جوزيف يبلغ من العمر السبعة وعشرين ربيعاً. وكان هو الأوحد في هذه العائلة المنكوبة. ثم يأتي بعد ذلك شقيقه الأصغر "مايكل" والذي كان جباراً عتيا ولا يضع لوالديه أي اعتبار أو حتى وجود في حياته. وأهم ما كان يتلذذ به مايكل هو التنكيل بأخيه وشقيقه الأكبر والذي كان يذيقه وبشكل يومي أنواعاً مختلفة من الإهانات والشتائم والسباب. ولم يكن بمقدرة جوزيف أن يردعه لأن والداه أوصاه قبل أن يسافروا إلى القارة القطبية الجنوبية بمهمة عمل تستغرق 6 سنوات بأن يهتم بأخيه مايكل وأن يرعاه كأنما هم حاضرين بينهم.
              وأما المصيبة الأخرى فقد كانت شخصية جوزيف ذاتها والتي قام والده بتدميرها وجعلها كحشرة مسحوقة بالأقدام. ولم يكن والد جوزيف يمنح ابنه أي صلاحيات أو حتى أن يشجعه على مواجهة الحياة. حتى أصبح جوزيف يوماً بعد يوم لا يقوى على نهر ذبابة من أن تحوم حوله خشية إزعاجها.
              نعم ،،، جوزيف محطمٌ بالكامل ولم يكن هناك من يواسيه أو أن يمسح عن عينيه تلك الدموع التي يتسبب بها أخيه الأصغر مايكل. والذي كان يقابل كل إهانة يتلقاها منه بابتسامة جميلة وربت على الكتف وعبارة "كم أنا أحبك يا أخي!!!". وأما في حال قيام مايكل بالبصق عليه فإن كل ما بوسع جوزيف هو تناول قطعة من المناديل البيضاء ومسح تلك القذارة التي قذفها شقيقه عليه.
              ما أصعب حال جوزيف و ما أشد ما يمر به. وقد استمر هذا الحال لعدة أيام منذ سفر والديه حتى أتى هذا اليوم الغريب والذي كان منتصف الشهر القمري وكان القمر فيها مكتملاً لكن بلون أسود قاتم وحالك السواد. وكل من ينظر إلى هذا القمر كان يصاب بصعقة شديدة في عقله من هول المنظر وكِبَر حجم القمر، الذي كان أكبر بمرات عديدة عن الحجم المعتاد في حال اكتماله منتصف كل شهر قمري. وعن اللون فلم يسبق أبداً أن اكتسى القمر بهذا اللون الأسود والذي اعتاد العالم وساكني هذه الكرة الأرضية أن يشاهدوه أبيض اللون كبياض الثلج في ليالي الشتاء.
              لكن يا ترى ما الذي حدث بالضبط؟ وما الذي دفع القمر إلى أن يصبح لونه هكذا. هل بسبب غضب القمر الشديد على مايكل وتصرفاته تجاه شقيقه الأكبر؟ أم أن هناك خطبٌ ما ينتظر البشرية جمعاء.
              وأما السؤال الآخر الذي يطرح ذاته الآن ... ما ذا لو كان السبب هو مايكل فما ذنب بقية سكان الأرض أن يؤخذوا بجريرة مايكل وعمله المشين تجاه أخيه؟ هل يعقل أن يتسبب شخصٌ تافه مثل مايكل في أن يقلب لون القمر إلى هذا اللون الحالك والسيء للغاية، والذي أعتقد في قرارة نفسي بأن هذا اللون يدل على تشاؤم شديد من القمر لما سيكون عليه قادم الأيام. وعلى سكان الكرة الأرضية أن يستعدوا لهذا الشيء الغامض القادم إليهم.
              وبالعودة إلى المسكين جوزيف ... فقد كان يتلو صلواته تجاه القمر ويرجو من القمر أن يوصلها إلى الرب كمرسول خير ومحبة وأيضاً كسفينة نجاة لأجل تخليصه من هذا العذاب. وقد كان يمسك صليبه وينادي بأعلى صوته "يا أبتاه!!!، يا أبتاه!!!" حتى بدأت حبال صوته بالضعف رويداً رويدا إلى أن خارت قواه وغاب عن الوعي أمام النافذة وأمام مرأى هذا القمر الأسود الغاضب وهو يمسك بين يديه ذلك الصليب و يحتضن المسيح المصلوب بكل قوة لعله يسمع أنين ألمه وصراخه.
              وما هي لحظات حتى دخل مايكل إلى غرفة جوزيف من دون أن يطرق الباب أو يستأذن في الدخول وشاهد جوزيف وهو مرمي على الأرض والصليب بين أحضان يديه، ليركله بقدمه ركلة شديد لأجل إيقاظه من هذه الغيبوبة التي أصابته. لكن جوزيف لم يستجب لهذه الركلة التي إن تلقاها شخص آخر لربما يصاب بنزيف داخلي.
              يا ترى ما الذي حدث معك يا جوزيف؟ ولماذا لم تستجب لهذه الركلة المؤلمة والمدوية التي سددتها لك؟ هل غادرت هذه الحياة؟ هل رحلت روحك النجسة إلى السماء؟ هل سئمت من كل هذا الألم الذي اسببه لك؟
              جميعهاً أسئلة مختلفة كانت تدور بداخل عقل مايكل وهو يركل في جوزيف مرة تلو مرة حتى سئم من الركل وتركه ثم غادر غرفة جوزيف باتجاه غرفته في آخر الممر بالطابق الثاني. وهناك وقبل وصول مايكل إلى مقبض باب غرفته ... اهتزت الأرض هزاً عنيفا، وكأنما القيامة قد قامت وحانت معها ساعة الحساب على جميع الأفعال المؤذية والقذرة التي كان يفعلها مايكل تجاه شقيقه جوزيف.
              ومع اشتداد الهزة ... حاول مايكل أن يتشبث بأي شيء حوله فلم يستطع حتى بدأ المنزل ينقلب رأساً على عقب و بدأت الأشياء من حوله تصبح بشكلها المقلوب. وقد ازدادت حيرة مايكل أكثر فأكثر لينظر من حوله حول ما هو فاعل فلم يستطع إيجاد حلٍ لهذه المعضلة إلى أن رأى شقيقه جوزيف وهو يطير أمامه وكأنما تحول إلى إحدى الشخصيات الخارقة التي كانوا يشاهدونها صغاراً على قنوات الأفلام الكرتونية.
              اتجه جوزيف وهو يطير في الهواء وغير مدرك لما يقوم به نحو شقيقه مايكل الذي اعتراه الخوف والقلق من هيئة أخيه والتي يراها عليه لأول مرة في حياته.
              فجوزيف كان حينها يستطيع الطيران بكل حرية وأن يتجول في أي مكان يشاء، وكانت عيناه شديدة الاحمرار، وكأن الغضب يتفجر من عيني جوزيف وذلك الحقد الدفين في قلبه بدا أمام مايكل كبركان كان خامداً لفترة طويلة ثم انفجر في هذا اليوم. وعن أيدي جوزيف فقد تحولت إلى هيئة غريبة، حيث أن أصابع يده العشرة قد أصبحت طويلة للغاية، لربما يصل طولها إلى عشرة أمتار. ولا أحد يعلم سر تحول هذه الأصابع إلى هذا الطول بالتحديد.
              وفي طيران جوزيف نحو أخيه مايكل كان الرعب والخوف يتملك الأخير حتى بال على ملابسه من شدة الخوف والرعب. ولم يكن جوزيف في كامل وعيه تجاه تصرفاته أو ما يقوم به في هذه اللحظة من إرهاب لأخيه الأصغر. وكأن قلبه وروحه من الداخل تدفعه لكي ينتقم من كل تلك الأيام السابقة والتي كان يرى فيها سواد حياته وضعف حيلته.
              وعن التفسير الوحيد لما حدث مع جوزيف فالقمر هو السبب. حيث أن القمر قد سمع رسالته وأنين ألمه وصوته الخافت في حلكة ظلام غرفته. ويبدو كذلك أن رسالته التي كان يرغب جوزيف في إيصالها إلى الرب كي يخلصه مما ألم به، كانت قد وصلت إلى القمر. وقد حاول القمر مراقبة الوضع يوماً بعد يوم لعل مايكل يتوقف في أحد الأيام عن سوء صنيعه تجاه شقيقه الأكبر وأن يبدي له قليلٌ من الاحترام والتقدير. وبرغم كل ذلك فقد استمر أذى مايكل تجاه جوزيف بلا توقف أو هدنة مؤقته أو حتى أن يترك جوزيف في حال سبيله.
              وهذا السبب الذي دفع بالقمر لأن يظهر غضبه وشدة بأسه في هذا اليوم بالتحديد وأن يظهر للكرة الأرضية بهذا اللون الأسود القاتم الذي أصاب كل من شاهد هذا القمر في هذا اليوم بحيرة شديدة من أمره وجعلته يفكر كثيراً في مصائبه وسواد أعماله التي عملها في حياته.
              وما كان من غضب القمر بهذه الشدة والقوة إلا لكي تمنح جوزيف تلك القوة الخارقة التي جعلت سبل الانتقام من مايكل في أبسط وسيلة وأقوى نتيجة وهي إدخال الرعب إلى قلبه حتى يتمزق حزناً ورهبة من شدة ما يرى. ومن دون أدنى اكتراث من جوزيف تجاه شقيقه مايكل ولا حتى أن يفكر للحظة واحد بأن هذا الشخص الذي يعتقد في قرارة نفسه أنه عدو له ما هو إلا شقيقه في هذه الحياة وأخاه الذي يجب عليه أن يرعاه وأن يهتم به
              وفي خضم هذا الصراع ... وانطلاقة جوزيف الصاروخية من أمام باب غرفته نحو مايكل الذي يراه أمام عينه واقفاً بالمقلوب أما باب غرفته وبين إرتعاشة جسد مايكل وخوفه الشديد مما سيفعله جوزيف به وكذلك قيامه بتبليل سرواله الداخلي بعد أن تبول فيه ... سمع جوزيف صوتاً بعيداً وهو يناديه "هيا يا جوزيف استيقظ لقد تأخرت عن باص المدرسة!!!"
              نعم،،، لقد كانت والدة جوزيف توقظه من هذه الأحلام والكوابيس المزعجة التي رآها في منامه. ومن خلف والدته كان مايكل يقف بابتسامة بريئة وطفولية وهو يلقي التحية إلى جوزيف ويقول "صباح الخير يا أحلى أخ بالدنيا"



محبكم

#أحمد_حسين_فلمبان
كاتب & محاسب 


#إبتسامة_قلم